هاجر ليتذكــــــــــر
تأليف مصطفى منيغ
لا أحد بعد وفاة والدتي الحنون " هيبة " استطاع أن يرغم عيناي على ذرف الدموع بغزارة غير ابنتي وقطعة من روحي حينما أحسست وهي في المطار قاصدة دولة بعيدة ( للالتحاق بزوجها الموظف هناك ، الذي أكن له المودة والتقدير لما يتمتع به من مميزات الرجولة والشهامة وعزة النفس و الدرجة العلمية الرفيعة التي حصل عليها باجتهاده ونباهته وذكائه النبيل ) أنني تركت وحيدا ليزدردني الفراغ رغم انشغالي طول الوقت في مهنة المتاعب مع الناس وللناس في هذا البلد الذي ، ولا شك ، يحيا مرحلة دقيقة في مسيره صوب تكريس التبعية حلا للخروج من مشاكله المثقلة يوما بعد يوم بما يضاف من أخطاء تدبيرية ترتكب عن قصد أو غير قصد ، تؤخر حتى مكانته بين بلاد المعمور،أو اللجوء للقرار الحكيم بفتح حوار نزيه ومسؤول ( لا مع بعض الأحزاب المختارة بسبب معروف، التي أقل ما يقال عنها أنها أصبحت متجاوزة ، تعلق الأمر بأساليب عملها ، أو البرامج التي تقترحها من أجل ربح الساحات السياسية المحلية لأغراض تعرت مضامينها بكل التفاصيل، أو تعلق بما أصبح في شبه المؤكد ارتماءها بكيفية تحد من قيمتها بين ذراعي المتحكمين في ضبط الاختيارات الإستراتيجية ليبقى كل شيء على وتيرة واحدة لا مجال للديمقراطية في توسيع مجالاتها أو اختيار الرؤوس المؤهلة حقيقة في التمكن من انجاز توازن يحافظ على حقوق "هؤلاء" و"هؤلاء" كحد أدنى للتراضي والتوافق المختفيان من خمس أو ست سنوات ماضية .. ولكن ) مع الشعب المغربي العظيم الصبور وبشروط منها كمدخل ، البدء في عمليات الإصلاحات الحقيقية والضرورية القريبة ، والمتوسطة ، والبعيدة المدى . لا نقصد بها الترميمات المشاهد ظهورها في بعض المدن دون أخرى ، بشكل يثير عدة تساؤلات تخص أغلفتها المالية من مصدر والمستوى الوظيفي للآمر بصرفها ، وما يحصر أو ينظم" تلك"و "هذا" من قوانين إن كانت تطبق كما يلزم ذلك العديد من الفصول التي خص بها المشرع المغربي مثل المواضيع . وإنما ترميما للجراح الغائرة في نفسية أعداد لا تحصى من المواطنين المغاربة ، رجالا ونساء ، بما يعيد أولا الثقة بين الحاكمين والمحكومين ، وثانيا وألفا حصول الملايين على حقوقهم الشرعية المشروعة في العمل لربح قوت شريف وإيجاد المستشفى المطابق للمواصفات الدولية ، والمدرسة ببرامج تربط الناشئة بما يصون هويتها الإسلامية المغربية الأمازيغية
ربطني الحنين الأبوي بأكثر من خيط منسوج بالود الصافي النقي بابنتي أمال وهي تكبر يوما وراء يوم أمام عقلي و مقلتاي، اسعد وأنا الكبير لسعادتها وهي الصغيرة،أتألم أنا الأب بآلامها وهي الابنة . سعادتي أراها في تلك اللحظات التي كنت ألج فيها البيت وقد أخذ مني العلياء كل مأخذ فأجدها في انتظاري معلنة عن ترحابها بمقدمي على كيفيتها الخاصة التي تنزع مني الضحك مقهقها وهي تبحث بواسطتها عن فرض مكانتها داخل قلبي بحجم يتوسع مع مرور الزمن . كانت تأخذ بأطراف " طاقيتي " وتحاول جاهدة جلبها لتغطي جبهتي بالكامل مستهدفة حجب الرؤية علي بتمديد رقعة الطاقية لتشمل عيناي ، تعيد الكرة إن فشلت غير عابئة برجاء والدتها أن تتركني حتى انهي تناول الطعام أو احتساء كوب من قهوة محضرة على الطريقة الوجدية المعتبرة التي ما رضيت احتساء غيرها على امتداد سنوات طوال من عمري. وآلامي أحس بها عندما افتقدها ولو لنصف يوم ، مهما سافرت ومهما رحلت لا يهدأ لي بال حتى اعلم بواسطة الهاتف أنها بكل خير . حتى أصدقائي كانوا يبادرونني بالسؤال عن أحوالها في أدب جم ليقينهم مدي معزتها ، بل أهمية مكانتها في وجداني كأب يشقى ليجنب أسرته الصغيرة كل خصاص ومن أي نوع كان . هكذا كان دورنا نحن الإباء في المغرب قاطبة، كرامتنا في كرامة بيتنا ومن فيه،وشرفنا هو أيضا من شرف بيتنا وأهلنا داخله.كنا قدرين على تحمل المسؤولية الكاملة لينشأ الطفل المغربي أو الطفلة المغربية النشأة القويمة المشبعة بعزة النفس والذود حتى عن محيطها بما يكفل المحافظة على الأصل النظيف بنظافة أزيد . وحتى هذا اليوم الذي بدد سكونه الحديث الممل عن "الحداثة " و"المعاصرة " و " مبادرة التنمية البشرية " وعناوين ،وشعارات من هذا القبيل لم تجد نجاحا ولا قبولا عند عامة الشعب المغربي العظيم حينما عايشت ( هذه العامة ) " المسخ " وهو يتنقل بلا حياء بين حارات وأزقة بعض المدن المغربية يضيف لمصائب وويلات تتراكم بمرور الدقائق ولا أقول الساعات ، ما يصعب الحل، حتى هذا اليوم إلى الغد بمشيئة الرحمن، نتضرع إلى الباري الحي القيوم ، أن يحفظ الشعب المغربي الأبي الأصيل ، مما يخطط له من نقلة لا هي من شيمه ولا من منهجية تربية أجياله، ومنها الجيل الحالي،الذي ولا شك يقف من يقف فيه،صامدا مناضلا كسد حابس للفساد والمفسدين الزاحفين بمباركة من اختاروا الوقوف جنب أباليس عبدة الجاه الأجوف الجاف ، و الإمكانات المادية الصادرة عن مجون الانحراف . حتى هذا اليوم و قد وصلنا مراحل متقدمة في السن نؤكد إصرارنا في الدفاع عن حقوق المغاربة أينما وجدوا كمغاربة ، رجالا ونساءا ، لا فرق، كامتداد لخمسة عشرة قرنا من الأمجاد والمواقف المشرفة المنقوشة بالفخار والعزة على جبين التاريخ الإنساني العريق ، وكحضور حضاري مشهود له بالإبداع المرافق للاجتهاد المباح شرعا . طبعا ابنتي العزيزة الغالية امال لن تحس بالغربة التي أحسست بها وأنا في مثل سنها مقيم في مدينة البندقية الإيطالية ، لأنني واثق أن اختيارها لشريك حياتها كان اختيارا موفقا أساسه طاعة الله ،وبناء أسرة متماسكة سعيها مع الحلال يضفي عليها هالة من وقار، يتخذ في تلك الديار، قدوة ونموذجا محمودا يعكس حقيقة نبل وشهامة وشجاعة المغاربة الأحرار.
أواسط الستينات كنت مقيما في هولندا و تحديدا في مدينة اوطريخت العاصمة العلمية لدولة الأراضي المنخفضة . أتيت إليها من مدينة عريقة أخرى هي بروكسيل ، التي انتقلت إليها من مدينة تاريخية هي باريس . واتيت إلى العاصمة الفرنسية هته من مدريد ... وهكذا هي عشرات الدول التي مشيت فيها مرفوع الرأس ، مصان الهمة معتمدا على خالقي سبحانه ،وقدراتي الذهنية والعلمية في مجال الصحافة والكتابات الأدبية عموما . لم اكتف بالعمل لزمن محدود بل كانت ساعات راحتي قليلة وقليلة جدا . استحضر هنا بضع كلمات واجهني بها صديق الصبا " محمد زوين " الذي جمعني وإياه القدر في تلك الشهور من سنة 1965 في نفس المدينة الهولندية حينما قال لي : الناس متجمعة في حجرات دافئة وأنت لم يمنعك حتى الثلج المتساقط بكثافة عن التجوال في هذا الجو المكفهر القارص بحثا عن تأسيس ما عجزت المؤسسات الرسمية على تأسيسه. بالفعل كان صادقا فالحكومة المغربية آنذاك لم تكن ممثلة بسفير أو قنصل ، كان علينا الالتجاء إلي سفارة المغرب في بروكسيل عاصمة المملكة البلجيكية للحصول على أي شهادة إدارية تخص مصلحة من مصالحنا المشروعة .لكن عكس ما كان يبدو مستحيلا للأخ الزوين أو غيره من الأصدقاء ومعظمهم لا زال على قيد الحياة . فقد استطعت وصديقي الدكتور " باوس "( وكان ساعتها محاميا مستشارا لوزارة العدل الهولندية ) وأيضا بالمجهود الذي بذلته معي الآنسة " لدوين سنبول " التي لا زلت لحد الساعة أكن لها ولأسرتها الاحترام والمودة ، أن أؤسس أول جمعية تهتم بشؤون الجالية المغربية المقيمة بالمملكة الهولندية في التاريخ ، بل ونشر أول مجلة ناطقة باسمها تحت عنوان " الصداقة " ،اعتقد أن مكتبنا الذي تركته في 10 شارع "اود خرارته" لا زال يحتفظ في إحدى حزاناته، بنسخة من العدد الأول للمجلة المذكورة ، وأيضا استطعت أن اسمع مرضانا في المستشفيات صوتنا كمغاربة فارضين بأسلوب حضاري وجودنا في إذاعة "هلبرسم" الهولندية الشهيرة . ولا أخفي بالمناسبة شعوري بالمرارة حينما كنت أسمع أن" فلانا " أسس أول فرع لودادية العمال هناك . كان بوسعي أن أؤكد ومعي كل الأخوة وعلى رأسهم الصديق العزيز " محمي سليمان " الموظف بمصلحة الضمان الاجتماعي حينما عاد بصفة نهائية ليستقر في مدينة الدار البيضاء ،ان كل ادعاء يستثني مجموعة من الأسماء وعلى رأسهم العبد لله ،مصطفى منيغ ، مجرد تظاهر سياسي الغرض منه تسخير التاريخ المرتبط بعرق الجالية المغربية الشريف لمصالح لم تعد تنطلي حيلها على أحد .
استرجع كل هذا وابنتي أمال في أرض المهجر، ربما تقرا مثل المعلومات عني لأول مرة فتحس أن الغربة الحقيقية هي غربتي شخصيا في بلد أفنيت في بناء بيت سمعته داخل العديد من الدول أحلى أيام شبابي لأرى اليوم فيه ما إن كتبت بصراحة أكبر عنه لن تجدن الوطنيين جميعهم إلا وقد صرخوا بصوت واحد : اللهم هذا منكر . كيف ؟
أحيانا اسأل نفسي : أحقا فعلنا خيرا بانتقالنا لعالم أهله ليس بأهلنا ، ومأكله ليس بمأكلنا ، وتصرفاته في جلها ليست منا ، أم هي التجربة قبل الإقرار بالخطإ أو الصواب من دفعتنا لركوب مغامرات ننفذ أثناءها ما تمسكنا به ، أو أردنا أن نضيف به لمكاسبنا الحياتية ما نضيف من محاسن نحصدها بعد زرع متعب وخوف ؟ .
لم يكن المغرب في الستينيات ( كاليوم تماما ونحن في سنة 2008) قادرا على استيعاب فتوظيف طموحات الكثير من الشباب مثلي في خدمة تنميته التنمية الصحيحة القائمة على تحويل الإستقال الذي حصل عليه من سنوات، لا يجمعها عقد واحد، فرصة لبناء الإنسان المغربي المقبل على حمل مشعل الاستمرارية ( على المنهج القويم الذي ضحى الآلاف من المغاربة البسطاء بأرواحهم الطاهرة في الأرياف والقرى، قبل بعض المدن ،عكس ما روج في بعض كتب انحاز أصحابها لتعظيم مسقط رأسهم فيها ، أو لترسيخ أسامي لم تكن مشاركتها في المقاومة والتحرير إلا مشاركة سطحية لكسب منافع ذاتية عرى صنفها الزمن فغدوا بها وما يترتب عن الشاهد بالزور سواء. ) بكل مقومات التقدم الصادر عن تطور تدريجي تفرضه الحاجة عند التفكير في تبوء مكان محترم، حيث يتجمع أقوياء الدول والأمم. لم يكن قادرا لانشغاله كنظام في ترتيب أموره ليس لأن الاستعمار ترك فراغا وعليه التفكير الجاد في ملئها وبسرعة ، كما راج في حينه وإنما لشيء آخر لا علاقة له بالموضوع بتاتا ، فالاستعمار لم يرحل إلا وقد تبث أعوانه في مناصب تبقى القرار إن اتخذ في مجال حساس متأثر بتدخلاتهم سطحا وجوهرا ، بقيت المناصب الثانوية التي وزعت على الأتباع، وأتباع الأتباع، وأتباع أتباع الأتباع ، إلا أن شكلت قافلة أظهر الزمن فيما بعد حجم حقدها الدفين على كل مجاهد نظيف ، أو مناضل فضل الصبر والصمود ، على أن يضاف للقائمة كعبد ، وأعداد لا تحصى من المقاومين الأحرار الذين لولاهم لما اعتلت لنا راية ،ولا أضاءت على شطننا منارة ، فكان مصيرهم بسبب نلك القافلة أن شرد من شرد من أبنائهم أو حفدتهم ، أو لا زال من يسري في عروقه نفس الدم الذي فاض من شرايينهم( وهم يواجهون سلاح العدو الاستعماري الغاشم في جبال الشمال، والأطلس بصغيره ومتوسطه وكبيره ، والريف ، وأكواخ الدار البيضاء) يلوحون بشهاداتهم العليا في وقفات مشهودة أمام برلمان المملكة وعصي قوى الأمن ترسم على كل ركن من أجسامهم نفس الخطوط الحمراء الدالة على البطش اللامحدود التي طالما طالت صدور أبائهم وأجدادهم المجاهدين البررة هؤلاء في وقفات أمام إقامات حكام فرنسا أو اسبانيا ملوحين هم أيضا بلافتات تبين لقارئها مطالبة المغاربة الأحرار الإستقال والإنعتاق من جحيم استعمارهما المشؤوم البغيض. لم يكن المغرب قادرا كما قلت ، لانشغال نظامه في الاستعداد الحازم لكل طارئ باتت المعارضة الشديدة تلوح بوقوعه ليتسنى لها التوفر على جزء من نفوذ الحكم ،فبدا الصراع قويا بين المقربين من القصر وبعض زعماء اختلطت عليهم السبل، والمصالح، والمنافع، بنجاح خطة محكمة الإستراتيجية والتنفيذ موجهة ضدهم جميعا ، ليشب الاقتتال بينهم ويتفتت شملهم بخلق انقسامات تنأى بالبعض عن البعض لتصبح النتيجة ما هو طاغي اليوم . وتلك حكاية يطول شرحها . لذا ظل الشباب ، وكنت واحدا منهم حائرا بين اختيار النضال الطويل المدى للحصول على حقوقه المهضومة (اليوم تماما) أم التفرغ للتكوين المؤدي للاعتماد على النفس ، خاصة وقد تعمقت في معرفة توجهات حزب من وزن الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كنت عضوا فيه ، بل رئيسا لفرعه في مدينة القصر الكبير صحبة رفيق الطفولة ،والكتاب، والثانوية ،الفنان الراحل عبد السلام عامر ، والصديق العزيز عبد السلام البوطي وغيرهما.متخذين مقرا لنا في البناية المواجهة لمكتب نظارة الأحباس ، التي هاجمتنا داخلها قوى الآمن الوطني ومن يومها حولتها إدارة لها و لسنين طويلة ، وأيضا استنتجت ما استنتجت عن مسار وأهداف منظمات موازية كالإتحاد الوطني لطلبة المغرب وكنت أحد مسؤوليه الجهويين في الشمال (تطوان) رفقة الصديق علي البوفروري (البرلماني سابقا عن دائرة تركيست) والصديق العزيز أحمد المسكيني (مدير ديوان عامل إقليم الصخيرات سابقا) مقرنا هناك تحول (في ساحة الفدان المشهورة قبل تحويلها الآن لساحة القصر الملكي ، في طابق أسفله مقهى تقدم لزبنائها من أبناء البلد أكواب الشاي المنعنع على الطريقة المحلية الأصيلة) إلى مكتب لا علاقة له بالموضوع .
لم يكن المغرب قادرا كما سبق الذكر لاستيعاب وتوظيف حماس الشباب مثلي في تحقيق نماء مطلوب والمرحلة مرحلة بناء حقيقي لدولة عصرية بكل ما ترمز إليه الكلمة ، لأولويات فرضت نفسها عليه ،تعلقت بترتيب النظام احتياجاته الأساسية لضمان استمرارية مريحة وإن اختلف العهدين ونمط الحكم فيهما ، المسألة لم تكن سهلة، خاصة والأطماع (كما سميت آنذاك) تكبر يوميا لنزع مكسب يضاف لمطالبة حزب كبير معارض(منذ نشأته) للمشاركة المباشرة في تدبير الشأن العمومي تحت شعار التقليل من دكتاتورية النظام ، وما تبع ذلك من اضطرابات وقلاقل ، حقيقة يصعب حصرها لكثرتها بما سببته من مآسي لأسر لازالت تعاني من ويلاتها. لا يمكن حجب الحقائق عنا إلى الأبد ، كان المفروض أن يعلم الشعب المغربي في يوم لاحق (لم يصل بعد للأسف الشديد) من أخر مسيرته صوب التقدم ، ومن عمد أن يأتي الاستقلال خدمة لمصالح ضيقة لا أقل ولا أكثر، حينما ربط هذا الاستقلال بنقص فادح في بسط السيادة على مجموع التراب الوطني الموحد تعلق الأمر بالشمال أو الجنوب أو الشرق ، ليظل المغرب يعاني والمغاربة حتى الساعة وهما يحاولان استرداد ما يكاد يضيع ،القضية لا تحتاج لذكاء حاد حتى نصل إلى الإجابة المقنعة. ومتى اتضحت الأمور إلى منوال لا يترك حتى الجزئيات دون شرح ومستفيض، علمنا ما الهدف لتركنا دوما في الصف الثالث بدل الثاني ، ولما لا مع الأوائل ؟؟؟.
كنت في شمال المغرب ساعتها وتحديدا في مدينة تطوان انهي في المدرسة بوليتكنكا(جابر بن حيان حاليا) دراستي الثانوية في قسم الباكلوريا حينما كان مديرها الأستاذ محمد الخطيب يساعده كحارس عام الجزائري السي قدور ، والأستاذ الجحرة ككاتب ، ومحمد المرابط ، والفقيه الصوردو كأستاذين فريدين وسط جماعة من الأساتذة الإسبان، إذ باستثناء الفلسفة التي كان يدرسنا إياها المرابط ( لا زال في نفس المدينة يشغل الكاتب العام المحلى لإحدى النقابات العمالية) بعد قدومه من مصر والتحاقه بنفس المؤسسة التعليمية ، واللغة العربية التي كان يلقنها لنا الأستاذ المرحوم محمد الصوردو ، كل المواد العلمية الأخرى يتم تحصيلها باللغة الإسبانية . بعد اجتيازي المرحلة التحقت بالمدرسة المحمدية للمهندسين لأسبوع واحد فقط ، صراحة لم أتمكن من استيعاب المحاضرات الملقاة علينا باللغة الفرنسية التي كنا نجهل حتى الميسور من مفرداتها ، خاصة ونحن القادمون من الشمال الذين قضينا عمرنا الدراسي فيه بالغة الإسبانية لا غير ، اللهم ما تعلق ببدايتنا في الكتاب ثم مدرستي " الأهلية الحسنية " و " سيدي بوأحمد" ، و"ثانوية القصر الكبير" ، و"المعهد المحمدي" بمدينة القصر الكبير ، حيث كانت العربية جزءا أساسيا في البرامج التعليمية المطبقة علينا ، ما عدا ذلك كانت الإسبانية هي العمود الفقري في تكويننا العلمي ،فاتفقت وستة من رفاقي الاتصال بوزير التعليم وكان أنذاك السيد يوسف بلعباس الذي استقبلنا مكرها ، بعدها حصلت واقعة كان لها الأثر البليغ في مسرى حياتي السياسية خاصة ،إذ أدركت أن المغرب الرسمي، وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية (كما كانت السياسة الرسمية تريد إقناعنا بذلك لنمتص ما يرتكب في حقنا من أخطاء وجسيمة) لن يعبأ بالشمال ،ومشاكل الشمال، وطموحات أبناء الشمال ،لانشغاله بجهة أخرى، التي كان على شخصيا الانتظار أربعين سنة حتى أتمكن من معرفة من تكون هذه الجهة ، وطبعا سأبين الأمر حالما أصل إليه بمشيئة الرحمن الحي القيوم لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه المصير .
|